Saturday, June 16, 2007

قصيدة أنا ليبيا ... للشاعرة بدرية الأشهب

بدرية ابراهيم الأشهب شاعرة مبدعة من بنغازي تكتب بالعربية المحكية ، و لها عدة اصدارات مطبوعة و مسموعة . و قد ألقت الشاعرة هذه القصيدة في احتفالية تكريمية لذكرى الرائدة الأولى لحركة تحرير المرأة و أم الليبيات حميدة العنيزى مساء يوم 8 مارس 2007 في قاعة الاجتماعات بجمعية الدعوة الإسلامية في بنغازي ، و كان إلقاء مؤثرا و جميلا و به قوة و عنفوان ، و قد كان لي حظ الاستماع إليه . القصيدة تحكى عن الاعتزاز بالأصالة و الانتماء لهذه الأرض ، و تبحر بنا عبر ذكريات التراث فى صحارينا و جبالنا و قرانا الحبيبة و أشعارنا و هجاوى البادية ، كما تعرج على الماسي التي عاناها شعبنا في معتقل العقيلة و التي حكي عنها الشاعر الفقيه رجب أحمد بوحويش المنفى بالتفصيل في قصيدته المشهورة " ما بى مرض غير دار العقيلة و حبس القبيلة " . ثم تحكى عن بعض النساء اللاتى كان لهن شرف المشاركة في الجهاد مع إخوتهن الرجال ابتداء من مبروكة العلاقية التي حلقت شعرها و امتطت جوادا و رافقت المجاهدين في معاركهم حتى دعيت من قبل صحفي اوربى بلقب جان دارك الليبية ، إلى مبروكة أخت عيسى الوكواك أخر المجاهدين الليبيين و الذي استشهد في سنة 1932 ، إلى الشاعرة فاطمة عثمان التى توفت الاسبوع الماضى - رحمها الله - و التى أبدعت فى قصيدتها اليتيمة – خرابين يا وطن ما فيك والى و ناسك جوالى و لخرين ف المشنقة و القتال - و هي تحكى عن مشاعرها اثناء مشاهدتها لاعواد المشانق و هى تنصب لتسعة عشر مجاهدا في مدينتها هون، إلى خديجة الجهمى من روافد حركة تحرير المرأة و غيرهن كثير . و قد أنهت الشاعرة بدرية قصيدتها في الأبيات الأخيرة بتأكيد الجذور البدوية و الاعتزاز بهذه الجذور .....


لا تقول أحضرية وغيرت .. عاداتها
فيا البداوة أصل .. ومفاعيل
أنا بنت هاذي الأرض من .. طياتها
أنا من مطرها وعشبها .. والسيل
أنا من دماً سالت على .. جالاتها
نايات تجري في عروق .. الجيل
أنا من بَحَرْها ومن شجر .. غاباتها
من كل واحة وارفة .. بنخيل
أنا من سواحلها وهوا .. جناناتها
أنا م الرتم والطلح .. والقصيل
أنا من قرى متوسدة .. طيباتها
ف ظل المحبة عاشقة .. لمقيل
أنا من صحاري غازلة .. ذراتها
ثياب لانبياء وساحة .. التنزيل
أنا من أجبال أحقافها .. ثكناتها
لنار المعارك شاعلة .. الفتيل
أنا من نفس أمي وصوت .. رحاتها
وبكيت هجاويها عقاب .. الليل
وغناوة (الجباد) في .. حوشاتها
اللي جابت مخاوير أسمرة .. و النيل
أنا من عباه رحلن .. سداياتها
وتبقى العبا رمز لتراث .. أصيل
أنا بنت هاللي في (العقيلة) .. امباتها
ورا من (شبردق) ناظرات .. الويل
بنت السمايا وفقد .. فزاعاتها
اللي يخلن براريم النعال .. دقيل
باستشهادها تشري سنين .. حياتها
عليهن حكي (بوحويش) .. بالتفصيل
أنا (مبروكة العلاقية) في .. صولاتها
فوق من اللي انشال الثقيل .. يشيل
أنا الفخر منقوش في .. ركاباتها
وين همزت طارت تقول .. هميل
أنا (مبروكة) أخت عيسى لابسة خلاطاتها
الوكواك .. فزعتها نهار .. الشيل
قدام قاضي ايطاليا .. وقفاتها
تاريخ لصبايا مالهنش .. مثيل
و(فاطمة عثمان) من .. نظراتها
تنبت قصايد رافضة .. التنكيل
ونا (مريم الحجلا) ف عقلها .. وثباتها
وين ردت على (البنكة) وهالت .. هيل
و(خديجة الجهمي) في المسا حكاياتها
يسرن كما سروة نسيم .. عليل
عيشة المزوغية .. وحزن .. مرثياتها
اشعار فوق من خد المسا .. أتسيل
وين ما حكت عن فقد .. وداداتها
تاريت قزون الكبيرهبيل
أنا الأم هاللي فاردة .. جناحاتها
علي عشها يوم فقد .. بوكمبيل
الصيت والعَصَر والصبر هن غاياتها
جبينها يستاهل .. التقبيل
انأ الليالي لو بخت .. نجماتها
يضون الليبيات كيف .. سهيل
أنا كتب للتاريخ في .. صفحاتها
نساء لابسات عقود .. وأكاليل
أنا كتب للتاريخ من .. صفحاتها
يطل الضياء واطيور .. أبابيل
أنا ليبيا أنا عزها .. وراياتها
مزروع في دمي صهيل .. الخيل
لا تقول أحضرية وغيرت .. عاداتها
فيا البداوة أصل .. ومفاعيل

Saturday, June 09, 2007

كنود هولمبو: قصة إقدام و شجاعة


ولد كنود هولمبو في الدنمرك يوم 22 أبريل 1902 ، و هو الابن الأكبر لرجل أعمال دانمركي معروف . و قد كانت لكنود منذ سنوات شبابه الأولى صفات تتميز بالاستقلالية و حب المغامرة و إحساس قوى بالعدالة جعله يقف دائما في صف المظلومين و المضطهدين ، كما كانت لديه موهبة الكتابة . و قد جعله بحثه الروحاني الدائب يعتنق الكاثوليكية في العشرين من عمره و يبقى معتكفا لمدة سنة في دير كليرفو للرهبان في فرنسا ، و لكن روحه القلقة لم تجد السلام الذي كان يبحث عنه و لذا غادر الدير و اختار أن يكون صحفيا يتحدث عن اكتشافاته و مشاهداته و كان أول ما نشر له وصفا لرحلة قام بها مع عائلة لابية ، و هم قوم رحل في شمال اسكندينافيا ، و ذلك خلال نزوحها إلى أقصى مناطق النرويج النائية

و في سنة 1924 سافر إلى مراكش و شاهد ظروف الاضطهاد للمغاربة في الريف المراكشي تحت الحكم الاسباني و قوى إحساسه المتأجج بالسخط و أعتبر أن العدوان القائم بمثابة خيانة للمدنية الأوربية . و أخيرا قاده امتعاضه و شعوره بفشل المسيحية إلى الدين الاسلامى حيث رأى فيه الراحة و السلام الروحيان الذي يبحث عنهما . و في سنة 1925 نشر كتابه الصغير "بين الشيطان و البحر العميق" . و سافر بعد ذلك إلى بلدان الشرق الأوسط متنقلا عبر سوريا ، فلسطين ، الأردن ، العراق ، و إيران . كما سافر أيضا إلى دول البلقان مع زوجته و شاهد هناك الاضطهاد الفاشستي للألبان المسلمين و غيرهم
في سنة 1930 كان مقيما في المغرب حيث قرر القيام برحلة طويلة بسيارته الشيفرولية موديل 1929 عبر شمال إفريقيا المحتلة من فرنسا ثم طرابلس و برقة المحتلتان من قبل ايطاليا و حتى مصر . و هكذا بدأ الرحلة عبر المغرب ، ثم الجزائر حيث صادف مغامرات عدة و منها لقاءه مع الشاب النيويوركى الامريكى روسكو تاربوكس الذي أصبح رفيق رحلته للأيام القادمة ، ثم عبر تونس ، و أخيرا وصل إلى منطقة طرابلس الغرب ، حيث أن اسم ليبيا لم يستعمل بعد
" شاهدنا الأعلام المثلثة الألوان على جميع الأبنية الرسمية ، و الشباب الفاشستي بقمصانهم السوداء يسيرون في عرض الشارع منشدين النشيد الفاشستي . و في كل مكان علق الشعار الفاشستي مع تاريخ السنة التي ابتدأت فيها ايطاليا الجديدة : السنة الثامنة من عهد موسولينى . أما الجدران فقد رسم عليها رأس الديكتاتور باللون الاسود . و بدت مجموعة الرؤوس كأنها مجموعة من رؤوس الموتى . و تحت كل رأس وضع شعار : من ليس معنا فهو ضدنا "
بدأنا بعد قليل نسمع أول الحان النشيد الفاشستي . و كان الايطاليون يصرخون بينما بقى العرب على صمتهم . و مر حملة الرايات بسرعة و هم يرفعون أربعة أعلام ممزقة . إنها الرايات التي أحضرت من مرزق و فزان في أقصى الجنوب من المستعمرة حيث استطاعت القوت الايطالية بقنابلها و مدافعها الرشاشة أن تنتزعها من أيدي قلة صغيرة من البدو
و ارتفعت أيدي الايطاليين بالتحية حين مرت الرايات و ارتفع معها الهتاف: عاش موسولينى عاشت ايطاليا. و أخذ رجال الشرطة يرمقون الناس محذرين فارتفعت ببطء أيدي العرب و كان اليهود قد سبقوهم إلى التحية بحماس غير أن العرب لم يشاركوا في الهتافات إطلاقا ."
تحدث كنود مع جندي ايطالي و سمع منه رأيه في المقاتل عمر المختار:
" إن البدو يحاربون كالجن ، يقودهم رجل غريب يدعى الشيخ عمر المختار . و هو عجوز ناهز السبعين لا يترجل عن جواده أبدا ، يتنقل به من مكان لأخر ، و حين نظنه في مكان معين و نتهيأ للقبض عليه ، إذا به يتبخر فجأة "

كما تعرف كنود على الطفل اليتيم محمد ذي الاثنا عشر ربيعا الذي قتل والده على يد الايطاليين و كلفه بحراسة سيارته خلال ساعات النهار . و بعد محاولات عدة استطاع الحصول على أذن مرور للسفر إلى بنغازي و ذلك مقابل توقيعه مستندا هو و رفيقه الامريكى بمكتب نائب الحاكم بعدم تحميل السلطات الايطالية بأية مسؤولية مقابل أية أضرار قد تقع لهما بالطريق حيث أن منطقة برقة مازالت في حالة حرب مستمرة ضد الغازي الايطالي . كما أن اليتيم محمد طلب مرافقتهما إلى بنغازي للعيش مع عم له يقيم هناك ، مما جعل كنود يقابل زوج أم محمد و طلب موافقته على اصطحابه معه و التي حصل عليها بعد ممانعة أولية ، و حزن الأم التي لا تعرف إذا كانت ستراه مرة أخرى أم لا .
و هكذا غادر الرفاق الثلاثة ، دانماركى و أمريكي و يتيم عربي ، طرابلس نحو المجهول . و سارت الرحلة بلا مشاكل حتى مدينة سرت حيث قاربت منطقة برقة و الحرب التي ما زالت دائرة هناك . و هاهو كنود يصف تجمع للبدو على مشارف سرت و الذي كأنه يبدو بداية ترحيل البدو لمعسكرات الاعتقال الفاشستية :
" و تحت سرت كانت تقوم مضارب ضخمة للبدو و كانت النيران تتألق خارج الخيام . و ذهب تاربوكس لينام و لكن محمد و أنا ذهبنا لإلقاء نظرة على المعسكر . في الواقع لم أشهد مثل هذا الفقر . كانت النساء ترتدي أسمالا بالية يلففن بها أجسامهن ، و كان الرجال في حالة أشد سوءا . و هرع الأولاد الجياع نحونا يستجدون النقود .
و سألت احد أفراد البدو : " كم مضى عليكم من الوقت هنا ؟ "
و أجاب: " ثلاثة أشهر ، و لا نعرف متى يسمح لنا بالرحيل . أن حياتنا تتوقف على التنقل . وهنا لا يتوافر الكلأ لماشيتنا . و ينبغي علينا ألان أن نبيع بعضا منها لنتمكن من تأمين الغداء لنا و لشراء العلف لما يتبقى منها . و في الحقيقة لا أدرى ما يمكن أن يحل بنا "
- و هل يريدون منكم أن تتوطنوا في مكان واحد ؟
- الله و حده يعرف ماذا يريدون ... اعتقد أنهم يريدوننا أن نموت ."
و يستمر كنود في رحلته شرقا من سرت حيث لا يوجد طريق معبد و لا علامات حياة ، و في هذه الصحراء القاحلة و المجدبة ما بين النوفلية و العقيلة تتعطل السيارة بالرفاق الثلاثة و يتوهون في الصحراء " و هكذا غدا الوضع يائسا : لم يكن لدينا ماء ، كما لم نأكل شيئا طيلة الساعات الثماني و الأربعين الماضية بسبب ما عانيناه من اضطراب معدنا بعد تناولنا الماء الملوث . و كان يستحيل علينا ازدراد الطعام بدون ماء . و بعد بحث عاجل قررنا التخلي عن السيارة . و شربنا بقدر ما نستطيع من الماء الموجود في الرادياتور و أخذنا الباقي معنا . و هكذا بقى لدينا أمل ضعيف في الوصول إلى بئر مردومة أحياء . "
قارب كنود و رفيقاه الموت بسبب العطش و الجوع و رياح القبلي و برودة ليالي الصحراء القارية ، و شاهدوا في مأساتهم مأساة الآخرين متمثلة في جثث المقاتلين العرب مبعثرة في الصحراء و الحيوانات النافقة ، حتى قيضت لهم النجاة عن طريق الايطاليين الذين بدأوا البحث عنهم ، عند عدم وصولهم للعقيلة كما كان متوقعا . كما قابلوا بعض المجاهدين في طريقهم إلى الكفرة التي مازالت حرة ، و لم يتعرضوا للأذى عندما عرفوا أن كنود كان مسلما ، كما عرفوا الشهيد والد محمد عندما حكي لهم قصته . و هكذا وصلوا في نهاية المطاف إلى بنغازي ، حيث فارقهم محمد للإقامة مع عمه ، كما أن قصتهم أصبحت معروفة عن طريق نشرها بالجريدة الايطالية المحلية . و أقام كنود و رفيقه الامريكى في فندق البيرغو ايطاليا .
و في بنغازي رأى كنود المشانق التي تنصب كل يوم لتنفيذ أحكام الإعدام بحق المجاهدين أو من يشك بأية صلة لهم ، و يتعرف على صاحب مكتبة يهودي و صديقه المسلم المثقف أحمد على الذي عرفه على الطرق الصوفية و على كتاب المصري عمر بن الفارض ، و أفكار الغزالي ، و انتهاء بالحركة السنوسية التي تقود الجهاد و مقاومة الغازي في برقة من ملاذها الأخير في واحة الكفرة . كما يتعرف على الضابط الايطالي فورنارى الذي كان أسيرا في الكفرة حيث لم تطأ من قبل قدم اوربى عدا الالمانى رولف و الأسير الفرنسي من تشاد و الانجليزية روزيتا فوربيس ، و يسمع منه حكايته . و ها هو يصف لنا احتفالا شاهده بمناسبة تسليم البنادق للشبيبة الفاشستية و حضره حاكم برقة الجنرال جراسيانى ، فيقول :
" و عزفت إحدى الجوقات النشيد الفاشي ، و انطلقت حناجر جميع الفتيان بالهتاف ، فقد ظهر الجنرال جراسيانى على شرفة مقر الحكومة ، و كان طويل القامة نحيلا و ذا سحنة مقدودة هي شكل نموذجي للجندي . و لم يكن يحسن الخطابة جيدا ، و كان صوته يشبه النباح الصادر عن المشتركين في الاستعراض .
و صرخ قائلا : أيها الفتيان لقد تسلمتم اليوم بنادقكم . إنها البنادق التي ستستخدمونها دفاعا عن ايطاليا التي نحبها جميعا ، و من أجل تعزيز جبروتها . عليكم ألا تنسوا لحظة واحدة بأنكم ايطاليون ، رومانيون ، وتذكروا أن أجدادكم وطئوا مرة أرض هذه البلاد . أنتم رومانيون تقاتلون البرابرة ، فكونوا رحيمين معهم ، و لكن كونوا دائما أسيادهم . تذكروا أنكم رومانيون . و رفع الجنرال جراسيانى يده مشيرا العلم الايطالي المثلث الألوان و قال:
- إن الراية الايطالية تخفق مجددا فوق هذه البلاد ، و ستظل تخفق إلى الأبد . عاشت ايطاليا "
و في نهاية المطاف يقابل كنود جراسيانى و يقنعه بإعطائه إذن المرور المطلوب لتكملة رحلته حتى مصر مقابل توقيع نفس التعهد بعدم تحميل السلطات الايطالية أية مسؤولية على أية ضرر قد يقع له . و بعد أنهى كنود الصيانة الكاملة لسيارته عن طريق مندوب الشيفرولية في بنغازي غادرها تاركا رفيقي رحلته سابقا فيها حيث أن محمد أستقر مع عمه و بدأ مباشرة عمل له ، أما صديقه الامريكى فقد قر عزمه على الرجوع إلى أوربا . و في طريقه للمرج شاهد تنفيذ شنق ثلاثة من المحكوم عليهم بالإعدام عن طريق المحاكم الطائرة . و في المرج يتعرف على الحاكم العسكري الايطالي بها الكومندان ديودييس ، و لعله الايطالي الوحيد الذي يعرض عنه صورة إنسانية غير ملوثة بالتطرف الفاشي للآخرين و لكنه كما يبدو كان حذرا حتى في إبداء آراءه الحقيقية و لكن نفهم من كلامه مع كنود بأنه يفضل لغة الحوار و التعايش ، و يعتقد بأنه من الممكن السلام عن طريق المصافحة باليد .
يغادر بطلنا المرج و يدخل في الجبال و الغابات التي كانت الملاذ لعمر المختار و مقاتليه ، حيث كانوا يحاربون حربا ضروسا لا رحمة و لا شفقة و لا أمل من النصر فيها – قرارهم الوحيد الاستمرار و الشهادة . و يتم أسره من قبل بعض هؤلاء المقاتلين الذين عاملوه كعدو في البداية و لكن بعد التأكد من شخصيته و كونه مسلما و وجود القران معه بالاضافه إلى تكلمه العربية تغيرت معاملتهم له ، بل و قضى معهم ليلة سمر حيث استمع إلى قصصهم ، و في صباح اليوم التالي تركوه يواصل طريق سالما .
عند وصول كنود إلى مدينة درنة و رغم الحرب الدائرة في برقة ترك لنا عنها وصفا جميلا و خلابا لهذه المدينة و كيف كانت تبدو منذ سبع و سبعين سنة مضت:
" أن درنة من ناحية المناخ جنة الله على الأرض . فهي تقع قرب البحر المتوسط و تتمتع بأفضل مناخ في إفريقيا كلها ... و تملك درنة أصفى و أنقى و أطيب المياه في إفريقيا الشمالية كلها . فهي تتدفق من الجبال و تجرى وسط البلدة نفسها وسط القنوات و المجارى ، و تذهب المياه الفائضة عن حاجات الري إلى البحر . و أراضى درنة مغطاة ببساط كثيف من الحشائش و الأعشاب و تتألق فيها الأزهار الجميلة . و هناك بساتين كبيرة للموز تعطى مواسم دائمة على مدار السنة ." و لكن الوجود الايطالي يبقى فارضا وجوده ، حيث أنه " يحيط بدرنة سور كبير من جميع جهاتها ، و قد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى حصن حقيقي . " و في درنة شاهد كنود كيف تجرى المحاكم الطائرة محاكمتها لأربعة متهمين بمساعدة المجاهدين و عندما يطلب أحدهم تخفيف حكم الإعدام يزمجر القاضي فيه قائلا :" المحاكم العسكرية ليس لديها سوى عقوبتين ، الموت أو البراءة " .
و يصبح بطلنا نفسه متهما بالتعاطف مع الوطنيين حيث أنه يجالسهم و يتكلم لغتهم و يصلى معهم في مساجدهم ، كما أنه قبض عليه من قبل مقاتليهم و لم يؤذوه ، و لذا يستدعيه مفوض الشرطة و يحقق معه شخصيا ، و رغم أنه مازال حرا فأنه لم ينل الإذن بالمرور للحدود المصرية ، و قد يكون هذا بسبب أنه في نفس هذه الفترة التاريخية بدأ جراسيانى حملته لتفريغ منطقة البطنان من سكانها البدو و ترحيلهم إلى البريقة و العقيلة ، و لهذا السبب فإنها كانت منطقة من غير المرغوب السماح المرور فيها لشاهد دولي محايد .
و في 17 يونيه 1930 بدأت حملة اعتقالات في مدينة درنة شملت من ينتمون للحركة السنوسية و شيوخ الزوايا و المتعاطفين مع المجاهدين ، كما شملت كنود أيضا و أودع السجن معهم ، قيد الاعتقال بدون إبداء الأسباب . في السجن تحدث كنود مع رفاقه و سمع منهم قصصهم ، و سمعوا قصته . شهد كنود أعواد المشانق و الإعدامات و إجراءات المحاكم الطائرة و المعاملة غير الإنسانية و تدمير مصادر رزق البدو و ترحيلهم من مناطقهم الأصلية إلى معسكرات اعتقال لاحقة و الظلم و الجبروت الذي تعرض له الليبيون خلال العهد الفاشستي و سجل ذلك كله بأمانة و صدق و بلا مبالغة في كتابه و الذي ترجم من قبل محمد بشير الفرجانى بعنوان رحلة في الصحراء الليبية . أبعد كنود من درنة إلى بنغازي بالباخرة التي أقلت مساجين آخرين غيره ، و من بنغازي أبعد إلى مصر بالباخرة أيضا .
و لكن ليست هذه نهاية قصة كنود مع الجهاد الليبي ، و لانهاية قصة الايطاليين معه ، فقد تجول كنود مابين مصر و سوريا و الأردن متكلما عما يجرى في برقة من أحداث و باحثا عن دعم للمجاهدين حتى تابعته الاستخبارات الايطالية بعدها و نجحت في تأجير بعض المارقين البدو في خليج العقبة و اغتياله هناك و هو في طريقه إلى الحج سنة 1931 ، و إلى حد الآن لا يعرف القبر الذي دفن فيه هذا الشهيد
Sources: Desert Encounter by Knud Holmboe
Link: http://www.knud-holmboe.com/ A Martyr for Freedom

Monday, June 04, 2007

أربعون سنة من يوم النكسة

و كانت البداية بالنكبة ثم النكسة ، ثم التطبيع الذي أعقب حرب العبور ، و تتالت الكوارث بالمشرق العربى بالحرب بين العراق و إيران ، و الحرب الأهلية بلبنان و الهاء سوريا بلبنان و وصول الجنرال شارون لابواب بيروت ، ثم احتلال الكويت من قبل العراق و الذي مهد لحرب الخليج الأولى وتنبيث الوجود الامريكى في المنطقة ، و بالمغرب العربى ثم الهاء الجزائر بنزاع داخلي مسلح لم تخرج منه حتى الآن ، وتم ترتيب حصار ليبيا و تحييدها لمدة عقد من الزمن ، ثم نعود للمشرق فنرى حرب الخليج الثانية و احتلال العراق و تدميره ، وبعد عدة استحقاقات ايجابية للقضية المركزية بدأ نزاع و اقتتال الأخوة الأشقاء في بلدية فلسطين على السلطة ، و بدأت المؤامرات تحاك للبنان و تم ادخاله لمتاهة الفصل السابع تمهيدا لوضعه تحت حكم الوصاية من جديد، و التمهيد لتفتيت السودان ،،،،،،،،،،،،، و و و ،،،، فهل نحن نعيش ما يسبق الصحوة العربية أم هي بداية انقراض العرق العربي ؟
و مع هذا كله يستمر المواطن العربي في معظم أجزاء الوطن الكبير مغيبا و متفرجا يعيش في أحسن الظروف في غربة داخل وطنه تتجاذبه تيارات لا حصر لها لم يثمر اى منها في دنيا الواقع بنتائج فعالة ، و تساوت الأنظمة رجعية أم ثورية في حق تواجدها فى مهرجان الافلاس الكبير بدلا من الوطن الكبير

، و لنقرأ معا ما كتبه سمير عطا الله بجريدة الشرق الاوسط ، جريدة العرب الدولية
الجمعـة 15 جمـادى الاولـى 1428 هـ 1 يونيو 2007 العدد 10412
من خصائص وميزات 5 حزيران 1967، انها حلت في المناحة العربية محل 1948. ولم يختلف احد على مؤداها ونتائجها، لكن نزاعا هائلا اشتعل واستعر واستمر حول العبقرية اللفظية: هل هي هزيمة أم نكسة؟ وخلال مناقشة حرب 1948 ونهاياتها في احدى جلسات الجامعة، كان لمندوبي احدى الدول الاعضاء آنذاك اعتراض شديد: لقد نسي مندوب آخر، في عز الكلام، ان حرف الجر يجر وبالتالي علامته كسرة. ياللهول. وكانت الجلسة برمتها، علامة النكبة ومآل الاحوال في ضبط الأقوال ساعة الزوال!وبعد نقاش طال اعواما وسنين، مال الرأي العام العربي، بأكثريته، إلى اعتماد مصطلح «النكسة». وحقق نصرا هائلا عندما منع استخدام التعبير الاسرائيلي: «حرب الستة أيام» لأنه يقوض المعنويات الشديدة الارتفاع، وهكذا تم اعتماد كلمة تتماشى مع هذا الحال من المعنويات: النكسة. في حرب النكبة اٌنحي باللوم على «الأسلحة الفاسدة». في حرب النكسة ألقي اللوم على مصر والجيش المصري وعشق المشير عبد الحكيم عامر لمارلين مونرو الشرق، برلنتي عبد الحميد. غريب: في 1948 شاركت معظم الجيوش العربية ولم نحمل المسؤولية إلا لمصر. وفي 1967 شاركت معظم الجيوش ايضا ولم نحمل المسؤولية سوى لمصر الجمهورية. ويشهد لجمال عبد الناصر انه، على الأقل فكر في الاستقالة. وخرجت الجماهير التي أحبته بمئات الآلاف تطالبه بالبقاء. وعندما غاب بعد ثلاث سنوات بالمرض والحزن والخيبة بالواقع العربي، خرجت الجماهير تودعه بالملايين.الآن هناك حزب ناصري واحد في العالم العربي: في اليمن! وهناك نقابة واحدة في مصر ترفع راية الناصرية، نقابة الصحافة. او نقيبها على الأقل. ولا يعرف احد الى اين تذهب الجماهير العربية وفي أي كهوف تغيب. لكن الثابت ان لا شيء سريع الزوال مثل هذه البحار من الناس التي تخرج بالملايين هاتفة، «بالروح بالدم»، ثم تنسى ما هتفت وما وعدت ومن افتدت.1967 مسرحية درامية عنوانها «الوجدان العربي». جماهير تفور هنا وتغور هناك. وصفوف طويلة من السياسيين والكتاب والصحافيين والعسكريين والنافذين والوجهاء والمنظرين، تقف في طابور واحد، وتقول كلاماً واحداً، وتتسابق في تنويع الهتافات، وتزلغط كالنساء، ثم ترتد على نفسها وتندب. وتنوح وتحمِّلُ الغير كل ضير.وفي هوسها وهياجها وتدافع غرائزها وحمية اللحظة الهتافية، رأت الجماهير العربية ان 5 حزيران هي مسؤولية شعب واحد وجيش واحد وبلد واحد: مصر