Wednesday, May 23, 2007

قراءات طرابلسية في أوراق على بى


وصلت السفينة التي تقل على بى آتية من مراكش يوم الاثنين الموافق 11 نوفمبر 1805 . كان يدعى بأنه على بك العباسي ، مسلم مولود في حلب و أنه ابن أحد الأمراء ، و أنه كان في طريقه للاراضى المقدسة بنية الحج . و بعد وصول السفينة بثلاثة أيام نزل للمدينة بعد أن رتب له القبطان تأجير منزل لإقامته قبالة دارى الوزير الأول و القنصل الاسباني . و يصف لقاءه الأول مع حاكم طرابلس يوسف باشا القره مانللى ، فيقول

كان قد مضى على وجودي في طرابلس ثلاثة أيام عندما استدعاني القبطان ليقدمني للباشا . لقد اتسم المثول بين يديه بالهيبة ، و جرى في صالة رحبة ، حيث يجلس الباشا على ما يشبه العرش أو أريكة صغيرة مرتفعة ، و أبناءه على جانبيه ، و يحف به الكثير من كبار الموظفين . و قد وضعت هديتي أمامه ، و تقبلها بطيب خاطر و وقار . و أظهر لي أدبا جما ، و شتى أنواع الحفاوة ، و قد أجلست على الكرسي الذي هو أمر بأن يجلب لي . و تحدث إلى طويلا ، بعدها قدم لنا الشاي و الروائح و العطور ، و تلقيت منه كل دلائل المودة الممكنة . اثر هذه المراسم نحن افترقنا ، بعدما غدت لدى كل منا قناعة بالأخر ، وهو منعني من تقبيل يده على أساس أنى أجنبي أتمتع بسلطة ، إلا أنه هزني على غرار صديق . أمر الباشا أثنين من كبار ضباطه ليقوداني إلى الوزير الأول ، الذي كان حقا رجلا محترما ، و يكاد يكون أعمى . و كان لي حديث خيري مطول معه ، و عدت إلى الدار و أنا شديد الرضا بكلتا الزيارتين

ثم يصف مدينة طرابلس فيقول

تسمى تريبولى من قبل الاهالى طرابلس . و هذه المدينة أجمل بكثير من أية مدينة في مملكة مراكش . إنها تقع على ساحل البحر ، و شوارعها ذات استقامة و اتساع . بيوتها منتظمة و مشيدة جيدا ، و جميعها تقريبا ذات لون أبيض يبهر الناظرين ، العمارة أقرب كثيرا للنمط الاوروبى منه للعربي ، البوابات عموما على الطراز التوسكانى . أن أعمدة الحجارة و أقواس البلاطات هي نوع قريب من ذلك النمط في مراكش . و من المألوف جدا أن ترى بنايات من الحجر ، و حتى المرمر يستخدم لتشييد البلاطات ، البوابات ، السلالم ، و المساجد . و للبيوت نوافذ مطلة على الشوارع ، على خلاف الحال في مراكش ، غير أنها توصد دائما بإحكام .
و ليس هنالك في طرابلس ينابيع أو أنهار . المواطنون يضطرون لشرب ماء المطر الذي يحفظونه في خزانات ملحقة بكل بيت ، و بالنسبة لاستحمامهم ، و وضوئهم ، و الاستعمالات الأخرى ، فأنهم يستخدمون ماء أجاجا يأخذونه من الآبار .
لقد انقص الطاعون سكان طرابلس كثيرا ، و غالبا ما أخذ عوائل بأسرها . و ما تزال هناك بعض البيوت التي هجرت ، أو دمرت نتيجة لهذه الكارثة . و يمكن أن يقدر العدد الكلى للمواطنين بحدود 12 أو 15 ألف نسمة ، و يشتمل السكان على العرب ، الأتراك ، اليهود ، و لان الحكومة كانت تتألف كليا من الأتراك سابقا ، فان الحضارة هنا أكثر رقيا من تلك التي في مراكش . أن الحرير ، و خيوط الذهب و الفضة ، تستخدم عموما في ملابسهم . البلاط شديد الإبهار ، أن القسم الأغلب من السكان يعرفون لغات أوروبية مختلفة و يتحدثون بها . الباشا نفسه يتحدث بالايطالية . أن المجتمع هنا أكثر تحررا و بساطة من الذي في مراكش . و غالبا ما يأتي القناصل الأوروبيون لزيارتي دون أن يأبه أحد بذلك . أن معتنقي الإسلام من أصل أوروبي يرقون للمناصب ، و ربما ينالون رتبة عالية . أن أدميرال و رئيس عموم البحرية الطرابلسية هو من أصل انكليزي ، و قد تزوج بإحدى قريبات الباشا . و يلقى العبيد المسيحيون هنا معاملة جيدة ، و يسمح لهم بخدمة أي كان ، بشرط أن يعطوا جزءا من مكاسبهم للحكومة

ثم يصف الباشا ، فيقول

أن سيدي يوسف ، أو لورد جوزيف ، في الأربعين من العمر تقريبا ، رجل واع ، يتحدث الايطالية جيدا ، جميل المحيا ، محب للعظمة و التفاخر ، وقور ، و أساليبه مستساغة و ذات مستوى رفيع . و قد مضى على حكمه حتى ألان عشر سنوات و نصف السنة تقريبا ، و يبدو أن الناس مقتنعون به . و يحتفظ سيدي يوسف بامرأتين ، الأولى ابنة عمه ، وهى شقراء اللون ، و الأخرى زنجية . و له ثلاث أولاد و ثلاث بنات من الأولى ، و ولد واحد و بنتان من الثانية

و عن الحكومة و موظفي الدولة و القوة العسكرية يقول

أن كبار موظفي الولاية هم الخزندار ، أو مسئول المالية ، و باشا الحرس ، أو رئيس القصر ، و الكيخيا أو نائب الباشا الذي يشغل أريكة عظيمة في قاعة القصر ، و الكيخيا الثاني ، و خمسة وزراء للدوائر المختلفة ، و أغا الأتراك ، و قائد الفرسان العرب . و يضم حرس الباشا 300 تركي ، و 100 مملوك على صهوات خيولهم .
و إلى جانب أولئك الحرس فان الباشا ليس لديه كتائب نظامية ظاهرة للعيان . انه في وقت الحرب يدعو القبائل العربية ، التي تتراءى حال دعوته إياها و الرايات و الأعلام فوق رؤوسها ، و التي تحشد ما مقداره عشرة ألاف من الفرسان ، و أربعين ألفا من المشاة . أما أدميرال الباشا و صهره فهو من أصل انكليزي ، و تتكون القوة البحرية من مجموع إحدى عشرة سفينة بقوة 103 مدفعا ، و هناك سفينتان حربيتان يجرى بناؤهما على الرصيف


و في وصف مساجد طرابلس يقول

توجد في طرابلس ستة مساجد من الطراز الأول مع مآذن ، و ستة أخر أصغر . إن المسجد الكبير ، مسجد أحمد باشا ، فخم جدا ، و ذو عمارة جميلة ، و يتكون سقفه من قباب صغيرة ، مدعمة بستة عشر عمودا دوريا رشيقا من المرمر الرمادي البديع ، و قد شيده جد سيدي يوسف . إن البناء ، إضافة لأبنية أخرى من الطراز ذاته ، هي أرقى بكثير من تلك التي لمراكش ، إنها ذات سمو مهيب ، و فيها شرفات شامخة للقراء ، مثلما هو في الكنائس الأوروبية . و المساجد مفروشة بالسجاد ، بينما المساجد حتى في قصر سلطان مراكش ، لا تحتوى إلا على حصائر عادية . المنائر في طرابلس ذوات شكل اسطواني ، شاهقة الارتفاع ، و لها شرفة حولها في الجزء العلوي، شيد في وسطها برج صغير يشبه مقصورة الحارس و يدعو المؤذن الناس من هذه الشرفة إلى الصلاة في ساعات معينة

و عن أحوال السوق و الزراعة و الحالة الاقتصادية و معاملة اليهود يقول

أن السوق حسن التجهيز ، و الأسعار في منتهى الاعتدال . الخبز و اللحم ذواتا نوعية جيدة ، الخضروات لا تعدو كونها عادية . الكسكسى لا يعمل هنا بإتقان مثلما في مراكش . تنتج البلاد زيتا يكفى لاستهلاكها . و أنواع مختلفة من الحبوب تستخدم لغذائهم ، بعضها يجلب إلى هنا من داخل إفريقيا .
الأرض هنا مشاعة لكل واحد كما في مراكش ، عدا المحاطة منها بسياج ، الذي يعين الملكية ، و هناك بعض المواطنين الذين يمتلكون من أربعة إلى عشرين مزرعة مسورة ، و يقال بأن مزرعة الباشا غاية في الجمال . و لان ليس هناك ينابيع عذبة ، فان البساتين تروى بالماء المالح لبعض الابار ، و الذي يسحب بواسطة بغل يحرك بكرة ، مثبت فيها دلو أو جردل من الجلد .
تجرى معاملة اليهود ، الذين لديهم ثلاثة معابد في هذا المكان ، على نحو أفضل بكثير مما هو في مراكش . و يقدر عددهم بحدود ألفى نسمة ، و يرتدون ملابس كالتي للمسلمين ، مع الاختلاف فقط في أن أغطية رؤوسهم و خفافهم يجب أن تكون سوداء ، أما عمائمهم فهي زرق عموما . و هناك ثلاثون منهم تقريبا في أوضاع جيدة ، و الاخرون هم عمال و صاغة ذهب ... الخ . و تجتمع تجارة أوروبا بأيديهم على نحو تام تقريبا ، و لديهم علاقات مع مرسيليا و البندقية و تريستا و مالطا . و هناك أيضا بعض التجار العرب و من بينهم سيدي محمد الدغيس الوزير الأول للباشا ، الذي يعتقد أن لديه مليون فرنك متداول في التجارة . و قد سمعت أن ميزان التجارة مع أوروبا هو لصالح طرابلس ، على أساس أن قيمة صادراتها تفوق بمقدار الثلث تلك التي لوارداتها ، إلا أن التجارة مع الشرق و داخل إفريقيا تقلص الفوائد الواردة أعلاه

و عن العلاقة مع الأوروبيين فيقول

الأوروبيون مرغوب بهم ، بل و محترمون في طرابلس . ففضلا عن قناصل الدول الأوروبية المختلفة ، كان هناك تاجر فرنسي ، و هو شقيق للقنصل ، و اسباني مختص ببناء السفن ، و طبيب من مالطا ، و ساعاتي سويسري . للمسيحيين بطرابلس كنيسة صغيرة يخدمها أربعة قساوسة من الفئة الثالثة من روما . و لوحظ أن لهؤلاء القساوسة جرسا في كنيستهم ، يسمع صوته يوميا في أرجاء المدينة . أن هذه الكنيسة ترمم عن طريق العطايا الدارجة و الحرة ، و الراتب الذي يمنحه بلاط روما

ثم يصف قوس ماركوس اوريليوس فيقول

و هناك على مقربة من دار القنصل الفرنسي نصب تذكاري جميل . و هو قوس للنصر شيده الرومان مع قبة ثمانية الأضلاع ، مدعمة بأربعة عقود تستقر على عدد مساو من الأعمدة . النصب كله بني من أحجار ضخمة غير مثبته و التي بقيت متراصة بواسطة ثقلها وحده ، و بدون أية مونة أو مادة ماسكة . زين هذا النصب ، إضافة الى الداخل ، من الخارج ، بمنحوتات لصور بشرية ، و زهور متدلية ، و أسلحة تذكارية ، إلا أن الجزء الأكبر لهذه المنحوتة البارزة مدمر ، و ما تبقى هو مهشم ، و بلا ترابط ، لكنه مازال يظهر جمال الصنعة

ثم يتكلم عن ما دعاه بمملكة طرابلس و سكان الدواخل فيقول

تضم مملكة طرابلس بكل اتساعها مليونين فقط من السكان ، إن الجزء الأعظم للبلاد هو الصحراء ، و ما عدا سكان العاصمة ، فان المتبقي جميعا مأهول بغالبية من العرب البائسين . إن سلطة حكومة البلاد مزعزعة على نحو كبير ، لذلك ، فانه باستثناء أولئك العرب ، لا يجسر احد أن يسافر لأية مسافة بدون قافلة ، أو حراسة قوية ، خشية أن يسلب و يقتل غيلة

و أخيرا و بعد إقامة دامت 79 يوما لعلى بى في مدينة طرابلس ، كانت متنوعة و زاخرة و أفصحت عن اهتماماته الحقيقية ، حانت ساعة الرحيل و ها هو يصف وداعه للباشا فيقول

أخيرا في الساعة الحادية عشرة صباحا استلمت أمرا من الباشا ، و ذهبت مباشرة إلى قصره ، و قد استقبلني بمودة كبيرة و جعلني أجلس إلى جانبه ، و كرر أثناء حديث مطول ، المحاولات التي أجراها فيما مضى لاقناعى بأن أبقى في طرابلس . و في سرور بالغ من القلب ، نهض ، و وقف أمامي قائلا : أنا أخوك ماذا تتمنى ؟ تكلم . و قد أقررت بامتناني له ، إلا اننى أصررت على المضي . و قد تعانقنا و الدموع في عيوننا . و قد غادرته مصحوبا بأصدقائي ، و بعض أصدقائه ، و صحبوني إلى السفينة ، حينها غادتهم مودعا

غادر على بى طرابلس إلى قبرص و بعدها إلى الإسكندرية في طريقه إلى مكة . في مصر التقى بالدبلوماسي و الكاتب الفرنسي المشهور ، فرانسوا رينيه دى شاتوبريان ، الذي أعجب به و كتب عنه يقول " إن تركيا غنيا ، رحالا و منجما فلكيا يدعى على بك العباسي ، ما أن سمع باسمي حتى ادعى أنه يعرف مؤلفاتي ، و قد زرته مع القنصل الفرنسي ..... و بدا لي على بك في هذه اللحظة أهلا بأن ينحدر من صلاح الدين العظيم . و اننى مقتنع قليلا بأن هذا التركي هو الأكثر علما و أدبا في هذا العالم ، بالرغم من أنه لا يعرف جيدا نوع الأسماء في اللغة الفرنسية ....."
على بى الذي ادعى بأنه من أمراء بني العباس أصبح في مصر تركيا ، و رغم ذلك فقط أكمل رحلته و وصل إلى مكة و طاف ببيت الله الحرام . و قد انتهت رحلاته في الشرق عام 1807 ، حيث رجع إلى باريس و بعدها إلى اسبانيا حيث أصبح واليا لإحدى مقاطعاتها أيام حكم جوزيف بونابرت ملك أسبانيا يومذاك ، و اتضح فيما بعد بان من يدعى بعلي بى كان عميلا سريا أسبانيا لجوزيف بونابرت ، و كان متسترا بالإسلام لإغراض استخباراتية و كان اسمه دومينيقو باديا ى ليبلبك

المصدر : ترجمة و تحقيق و مناقشة رحلة على بى بقلم الدكتور قاسم الجميلى – كلية الآداب ، جامعة الجفارة ، السوانى ، ضمن كتابه صفحات من تاريخ ليبيا الحديث و المعاصر ، إصدارات مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية

From Wikipedia.org:
ALI BEY AL ABBASI (Domingo Badia y Leblich; 17661818) was a Spanish explorer in the early 19th century. Notably, he actually witnessed the Wahhabi conquest of Mecca in 1807.
Traveling through Morocco, Tripoli, Cyprus, Egypt, Arabia, Syria, and Turkey during the period of 1803-1807, Ali Bey went to Mecca ostensibly to perform the hajj. In conversations with individuals that he met during his travels, he claimed that he was born in Aleppo; but he was later identified as Domingo Badia y Leblich, a Catalan spy for Joseph Bonaparte. Although, he alleged to be a Muslim in order to enter Mecca, when he died in Syria in 1818 he was denied a Muslim burial because of a cross tattoo on his chest. Some scholars believe that Ali Bey’s claims of Islam were a pretense maintained in order to travel to Mecca and Medina.
In 1816, the account of his travels, Travels of Ali Bey : in Morocco, Tripoli, Cyprus, Egypt, Arabia, Syria, and Turkey, between the years 1803 and 1807, was published.

2 comments:

lovelytripoli said...

معلومات مميزة عن طرابلس الجميلة والحبيبة

عندما أعود لطرابلس ووللوطن سأنقل لك جزء من معلومات التاريخية في مدونتي الخاصة

Gheriani said...

شكرا على التعليق و أنا متأكد بأن هناك الكثير من المعلومات التاريخية عن طرابلس الجميلة