Wednesday, August 29, 2007

مقتطفات من خرائط الروح للدكتور أحمد ابراهيم الفقيه

مع الشكر للمغربية
يومية تصدرها مجموعة ماروك سوا
ر
خص الكاتب الليبي الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه "المغربية" بنشر فصول من الرباعية الروائية الجديدة "خرائط الروح"، التي انتهى أخيرا من إنجازها، ليطلع القراء على هذا العمل الأدبي الكبير لصاحب الثلاثية الشهيرة "حدائق الليل"، التي اعتبرها النقاد علامة بارزة في تاريخ تطور السرد الروائي العربي.
" بدأ الأمر بسيارة شحن تقف في باحة السوق.تسللت اليها بمساعدة السائق لتنام بين غرائر الفحم، وانتظرت عدة ساعات، تتنفس الغبار الأسود، وتنصت إلى صخب السوق، وتتمتم بالأدعية والتعاويذ كي لا يكتشف أحد أمرك، مرددا تلك الآية التي سمعت من أحد المعلمين في الزاوية، إنها تحجب الإنسان عمن يلاحقه إذا رددها وهي "وجعلنا من بين أيديهم سدا، ومن خلفهم سدا، فأغشيناهم فهم لا يبصرون".حتى سمعت محرك الشاحنة يدور، ثم أحسست بها تتحرك، وتهبط المرتفع الذي يصل القرية بالطريق العام إلى العاصمة، وانتظرت بضع لحظات قبل أن ترفع رأسك من تحت أشولة الفحم، وتتنفس هواء الله الطبيعي، وعندما رفعته، ورأيت ابنية القرية تتراجع، أدركت أن فصلا من فصول حياتك قد انقضى، وأن فصلا جديدا قد بدأ الآن.مرغما تخرج من القرية، ولست نادما على شيء لأنه من قبل أن يأتي هذا الإرغام، فإنه لم يكن هناك ما يغريك بالبقاء في قرية يقتلك فيها الضجر، وتطاردك سحب الذباب وارتال القمل والبراغيت، بلغ عمرك ربع قرن، ولاشيء أمامك يعد بأي تبدل في حالتك، رعيت الجديان وحفظت القرآن في الزاوية السنية وتحولت بعد ذلك إلى مساعد لمعلم الصبيان، تتبعه بالإبريق لتصب على قدميه الماء وهو يتوضأ وتشتغل خادما له أكثر مما تشتغل معلما للقرآن، ولا زلت تسرح بالشياه في أوقات الفراغ كحال أي رجل لم ينل تعليما، برغم كل ما نلته من تأنيب وتعزير وضرب على قدمك بالفلقة حتى اكملت حفظ القرآن وسيمضي عمرك في القرية على هذا المنوال، أقصى ما سوف تكسبه من تعليمك هو كلمة الشيخ التي صار الناس يلحقونها باسمك فأنت الشيخ عثمان الشيخ، وأقصى ما يميزك عن بقية أهل القرية الأميين هو أنهم يأتون إليك لتقرأ لهم ما تصلهم من جوابات، أو تكتب لهم رسائلهم دون أن تنسى كتابة ذلك السطر في ختام الرسالة الذي يشير آلي كاتبها وهو "والسلام ختام من كاتب الحروف، العبد المعروف عثمان الشيخ"حتى لو كان الشخص الذي تخاطبه الرسالة شخصا لا تعرفه فهو نوع من إثبات الوجود والتباهي بتقديم هذا الصنيع .لم تكن هناك أوجه استخدام أخرى للعلم الذي حصلت عليه غير هذا الاستخدام المجاني الذي لا يجلب رزقا عدا القليل من البيض يجود به عليك الفقي عبد الله مما يتلقاه من الأطفال مقابل تعليمهم، لأن هذا كل ما تستطيع قرية "أولاد الشيخ" تقديمه لمعلمي أولادها، وتدرك جيدا أن أقصى ما تحلم بالوصول إليه هو أن تحتل مكان الفقي عبد لله إذا غادر قبلك هذا العالم بعد عمر طويل، أو تنافس الفقي بركة في كتابة الأحجبة بضريح الشيخ الكبير، أما غير ذلك فلا شيء حتى لو قرأت كتب الأولين والآخرين واكتسبت علومهم، ستبقى كما أنت لأنه لا مكان في أولاد الشيخ لذلك العدل القرآني الذي يحفظ لأهل العلم قدرهم كما تقول الآية الكريمة »وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون«، فكلهم سواء لدى أهل اولاد الشيخ ."

.....................

" وإذا كانت بأضادها تعرف الاشياء، فقد وضعت في ذهنك صورة للحياة في مدينة طرابلس، تناقض ما في القرية من بؤس وصمت وفراغ وحياة روتينية مكرورة باهتة، دون أن تدري على وجه اليقين ما تخبئة لك الحياة فيها، ودون أن تملك خطة للكيفية التي ستواجه فيها الحياة في مدينة تاتي إليها غريبا ولا تعرف فيها أحدا.كل ما يملأ راسك هو الصورة التي صنعها خيال القرية عن المدينة العامرة بالأضواء التي تحيل الليل إلى نهار، ولا يركب الناس فيها إلا السيارات أو العربات الأنيقة التي تجرها الخيول ذات السروج والألجمة المطهمة بالذهب والفضة، وتتمخطر في شوارعها وفوق أرصفتها نساء متزينات، متبرجات، يفوح العطر الجميل من أردانهن، سافرات الوجوه، حاسرات الشعور، تكشف الملابس التي يرتدينها عن الأذرع والسيقان وأحيانا ما هو اكثر من ذلك، وتقام في ساحاتها وميادينها وشوارعها حفلات الرقص والغناء التي يوزع فيها الطعام والشراب مجانا، كما تقام في ملاعبها سباقات الخيل والسيارات ورياضات أخرى لا حصر لها، هذا غير المنتزهات والحدائق والمسارح ودور العرض السينمائي والأسواق والمتاجر الكبيرة الحافلة بكل ما تشتهي الأنفس من مطاعم ومشارب وفواكه في غير موسمها مجلوبة من مشارق الأرض ومغربها، وحدائق الورد والنوافير التي يزغرد فيها الماء ويخرج مصبوغا بمختلف الألون من أجل الزينة وإشاعة البهجة في قلوب الناس، وأهل طرابلس الذين يسكنون القصور ويرتدون ألبسة الحرير ويأكلون بملاعق الذهب، ويأتي قبل هذا وذاك البحر، هذا المدى اللامتناهي من الماء الذي بهر كل من رآه من أهل قريتنا، الذين يتشوقون لرؤية بركة صغيرة من الماء يصنعها المطر سرعان ما تغور في الأرض، ثم يشاهدون هذا البحر الزاخر بامواجه العاتية والسفن تشق عبابه، يحضن مدينة طرابلس من ثلاث جهات، وقد كثرت حوله المنتزهات والشواطئ المخصصة للسباحة والأحواض المخصصة لقوارب النزهة، هذا البحر الذي كان موضوعا للأساطير والقصص والخراريف التي كنا نسمعها من سيدات العائلة قبل أن ننام ونحن أطفال، فجئت محملا بشوق عارم لكي تراه .كنت وانت تسمع هذا الكلام عن المدينة، تستطيع أن تفرز الحقيقة من الخيال، وتعرف أن المدينة ليست كلها منتزهات وملاه وقصور ورقص وغناء وأغذية ومشروبات توزع مجانا في الحفلات، وأن هناك كدح وتعب، وفقر وبؤس، وهناك عناء وجهد وعمل وذكاء لمن يريد تحقيق النجاح والثراء، وكنت مستعدا لبذل كل ما تستطيع تقديمه من جهد وكدح لتحقيق النجاح في المدينة، مدركا أن مهمتك الأولى في المدينة هي العثور على عمل ، تصرف فيه نهارك كله، وتؤمن من خلاله مصدر رزق لك، وتصنع لنفسك جذورا، وتبدأ رحلة الانطلاق نحو ما تسعى لتحقيقه من رفعة ورقي
. "

Wednesday, August 22, 2007

كيف يكون حب الوطن ؟

كتب محمد عقيلة العمامى فى "قيران العسل" عن حكاية من حكايات بنغازى أيام زمان ، فقال

رشف الحاج من كأسه ، وقال : " بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، سيطرت القوات البريطانية سنة 1944 على البلاد وصارت تحت إدارتها . لم تكن بنغازي حينها إلاّ أطلال مدينة دكتها القنابل كانت مجرد خربة كبيرة ، وعندما عاد سكانها ، الذين نزحوا منها إلى المناطق المجاورة ، لم يجدوا إلاّ البطالة ، كان الفقر المدقع والجوع الكافر ، والبؤس عند كل خرابة . وما كان للأمن أن يستتب إلاّ بتوفر سبل الرزق للناس . وماذا كان بمقدورهم أن يصنعوا ، والحالة هكذا ؟ . رأت الإدارة البريطانية ، آنذاك ، أن تستثمر ما تقدمه للناس من معونة ، هي في الحقيقة تعويضا تدفعه ألمانيا المهزومة ، ففتحت باب العمل للشباب في تنظيف البلاد من مخلفات الحرب . صار الكثيرين من شباب بنغازي سنة 1944 مجرد (كناسين ) ! .
المرحوم العالم حويو ، والمرحوم محمود أمبارك الشريف ، انتبها لعدد الشباب الكبير الذي ترك الدراسة وانخرط مبكرا في العمل . ألمهما ذلك كثيرا . فقررا أن يؤسسا مدرسة ليلية يتعلم فيها من حالت ظروفه دون التعلم في المدارس الصباحية ، فشرعا يشرحان فكرتهما للمستنيرين في ذلك الوقت ، وسرعان ما انضم إليهما الكثيرين ، اذكر منهما : المرحوم محمد ابراهيم الفلاح ، والمرحوم بن عروس امهلهل ، وشرعوا يجمعون التبرعات من القادرين .. " تدخل عبدالسلام قائلا : " لقد نسيت – ياحاج – المرحوم طاهر الشريف ، والمرحوم إبراهيم المهدوي .. " رد الحاج : " إن الذين ساهموا في هذا العمل الجبار كثيرين وأنا أعلم أن والدك – رحمه الله – دون لنا أسمائهم بخط يده المباركة .. وما ذكرت من أسماء هو على سبيل المثال لا الحصر .." ثم التفت الحاج نحوي وقال : " إن أخطر وأذكى ما قام به الحاج في تأسيس هذا العمل الأهلي العظيم هو إقناعه للمرحوم ( على فلاق ) الذي كان في ذلك الوقت ذو منصب مهم في بلدية بنغازي التي تخضع للإدارة البريطانية . لقد أقنعه بأمرين مهمين للغاية هما : أن يسمح للعمال بإنهاء أعمالهم قبل ساعة واحدة من الموعد المقرر وألا يعين أحد إلاّ الذي يتعهد بالدراسة في المدرسة الليلية .." سألت الحاج :
- " ولكن ياحاج كيف وفروا مقرا للمدرسة ، ومن أين جاءوا بالكتب .. " قال - " من المرحوم مصطفى بن عامر، فقد كان احد المسئولين في مصلحة المعارف ، لقد منحهم الكتب الدراسية القديمة ، وخصص لهم مدرسة عند الفندق القديم ، صار اسمها لفترة طويلة مدرسة الكناسين ، ثم صارت ، فيما بعد مدرسة العمال الليلية .. " ثم أضاف عبد السلام:
- " وتطوع المعلمين في المدارس الصباحية ، للتدريس مجانا في الفترة المسائية .. " ثم أشار إلى الحاج وقال : " عمك الحاج كان احدهم .. " فرد الحاج - " صرت مدرسا ، بمدرستك الصباحية – يا عبدالسلام - بعد أن أتممت دراستي الابتدائية في المدرسة الليلية . صار ذلك بمثابة قانون أخلاقي ، فمعظم الذين أتموا دراستهم بالمساء عادوا إليها كمعلمين متطوعين ن واستمر مشروع المرحوم العالم حويو ، كهيئة أهلية تشرف على سير هذه المدرسة حتى ضمت رسميا لوزارة المعارف سنة 1963 .. " فقلت :
- " في تلك السنة صار،المرحوم مفتاح بوحويه شرمدو، ناظرا للمدرسة . أنا اعرف ذلك لأنني ، حينها ، أتممت دراستي الإعدادية. وإنني لأذكر من مدرسيها ، على سبيل المثال المرحوم طالب الرويعي ، والمرحوم صادق النيهوم . ومنهم ، أيضا ، الأستاذ يوسف الشيباني ، والأستاذ ابوبكر عمر الهوني ، وأحمد القلال ومفتاح الدغيلي أطال الله في أعمارهم " .
كنت قد ودعت عبد السلام ، وخرجت رفقة الحاج نحو الساحة الجديدة التي شيدت فوق ميدان الحدادة . كان هناك بعض الشباب يلوحون بأوراق نقدية ، وبعض الباعة الفارشين لسلع متنوعة ، ونسوة يتطلعن لعقود الذهب المعروضة . كان الحاج يريد أن يتجه نحو شارع بوغولة ، وكنت أريد أن اتجه نحو شارع عمر المختار ، وعندما صافحته هناك قال :
- " لا أعتقد أن أحدا من رواد هذه الساحة ، يعرف أن ثمة رجال ، كانوا هنا ، قد ملكوا جيلين أو ثلاثة. لم يعلموهم الأحرف فقط ، وإنما علموهم،أيضا، كيف يكون حب الوطن ؟ " .

Links:

Tuesday, August 14, 2007

قصور عمر المختار

إذا سقت سيارتك من مدينة المرج متجها شرقا ، و درت يمينا مخترقا بقايا المرج القديمة التي دمرها الزلزال في أوائل الستينات ، فانك ستبدأ في الصعود من سهل المرج متجها إلى تاكنس ، و إذا نظرت يسارك على بعد حوالي 15 كلم من المرج القديمة فانك سترى تلا و فوقه بعض المنازل و جامع صغير ، هنا قبل مائة سنة كانت زاوية القصور . و إذا صعدت إلى قمة التل عبر طريق ترابي صغير فانك سترى ما تبقى من هذه الزاوية السنوسية التي أوت الشهيد عمر المختار ، أو ما يبدو مثل بقايا حائط لحصن أثرى قديم .
في سنة 1895 كلف السيد المهدي عمر المختار مشيخة زاوية القصور التي كانت تقع ما بين نجوع قبيلة العبيد المعروفة بتمردها و صعوبة مراسها و عدم خضوعها لأية سلطة ، و لكن عمر المختار ، وهو ابن الثلاث و الثلاثين سنة ، استطاع بحكمته أن يقود هذه القبيلة حتى أصبحت له فيما بعد الأكثر أمانا و ولاء خلال أيام الجهاد . و خلال سنة 1899 استنفر المقاتلون السنوسيون للدفاع عن زواياهم في تشاد و إيقاف التغلغل الاستعماري الفرنسي في وسط إفريقيا و نجد عمر المختار يذهب هناك و يقاتل و يصبح شيخا لزاوية كلك . و بعد تراجع المجاهدين أمام الزحف الفرنسي الجارف عام 1906 ، كلف عمر المختار أمر زاوية القصور مرة أخرى و لإدارة شئون قبيلة العبيد التي قابلت طلب الحكومة العثمانية لجباية الضرائب بالرصاص . و لكن عمر توصل لإقرار السلام من جديد و تحاشى الصدام مع السلطة المركزية في طرابلس . و عندما غزت ايطاليا ليبيا في سنة 1911 توجه عمر مع مقاتليه إلى دور المجاهدين في بنينا ، و خلال سنوات الحرب العظمى كانت قاعدة عمر المختار الجهادية هي منطقة تاكنس - القصور ، كما عهد إليه بالقضاء على أفراد العصابات التي انتشرت نتيجة لفترة انعدام الأمن و غياب السلطة لممارسة النهب و السرقة ، و استطاع القضاء عليها . و عندما هادن محمد إدريس السنوسي الايطاليين اعتصم عمر المختار بزاوية القصور يراقب و ينتظر .
كانت الزوايا السنوسية تبنى فوق قمم الجبال أو في مناطق حصينة يسهل الدفاع عنها ، و على مفترق طرق القوافل حتى يسهل الاتصال فيما بينها . و كان شيخ الزاوية يمثل الزعامة الروحية و الإدارية على نجوع البادية التي تحيط بالزاوية . فهو يقيم الصلاة ، و يعلم الأولاد ، و يباشر عقود النكاح ، و الصلاة على الجنائز ، و يشجع الناس على التجارة و الزراعة ، و له وكيل على الدخل و الخرج ، كما يشرف على التدريب على الفروسية و إتقان الرماية .
من هنا ، من زاوية القصور ، انطلق المجاهد عمر المختار ، أو المدرس الذي أصبح قائدا للجهاد في برقة