
فى سنة 1803 عززت الولايات المتحدة قوتها المحاصرة لطرابلس بإرسال قوة هجومية جديدة ، و فى يوم 31 أكتوبر من نفس العام و قرابة الساعة الحادية عشر صباحا كانت الفرقاطة الأمريكية فيلادلفيا تطارد قاربا طرابلسيا حربيا صغيرا تحت إمرة الرايس على زريق اغا أمام ميناء طرابلس عندما جنحت فى مياه ضحلة قرب الشاطئ ، مما جعل القوارب الطرابلسية السريعة تهاجمها من كل جانب ، و بعد تبادل نيران المدافع مع قلعة الميناء و السفن الراسية فيه و الذي استمر حتى الساعة الرابعة مساء رأى القبطان ويليام بينبريدج أنه لامفر من التسليم بقبول الهزيمة . كانت الفرقاطة فيلادلفيا مجهزة باثنان و أربعين مدفعا ، و كان طاقمها يتكون من أكثر من ثلاثمئة بحار و ضابط منهم 25 ضابطا و 3 أطباء و الباقي بحارة وقعوا كلهم فى الأسر.
كان الطبيب جوناثان كودرى مساعدا للجراح على ظهر الفرقاطة ، و كعادة ذلك الزمان أصبح الأسرى الأمريكيين السادة عبيدا للطرابلسية الأفارقة ، و سيبقون عبيدا حتى دفع فديتهم و الوصول إلى اتفاق بشأن الإتاوة . و يجب أن ننوه هنا إلى أن يوسف باشا القره مانللى لم يكن درغوت باشا المحارب فى سبيل نصرة الإسلام ، بل كان حاكما مستبدا ، عنيدا و متكبرا و ذا دهاء ، وصل إلى الحكم بعد قتل أخاه الأكبر حسن أمام أمه الللا حلومة ، و استولى على الحكم بعد طرد أخاه الأخر أحمد من طرابلس بسبب فقدان الأهلية ، و كانت القرصنة بالنسبة له هي أحد الوسائل للكسب المشروع . بينما لم تصل الولايات المتحدة يومها إلى الصيت الامبريالي العالمي و القوة العسكرية الجبارة التي هي عليها اليوم ، بل كانت دولة ناشئة متمردة على تقاليد العالم القديم و داعية للحرية و ناصرة لها .
كتب الطبيب كودرى أثناء إقامته أسيرا فى مدينة طرابلس صفحات دعاها باليوميات ، فماذا كتب؟
كتب الطبيب كودرى أثناء إقامته أسيرا فى مدينة طرابلس صفحات دعاها باليوميات ، فماذا كتب؟
قابل الباشا الضباط الأسرى ، و يصف كودرى هذا اللقاء فكتب ... كان يجلس على عرشه الصغير و كان مزخرفا بالطريقة التركية ، و بدا منظره جذابا ، و هو رجل حسن الصورة يبلغ الخامسة و الثلاثين تقريبا من العمر ، و تمعن فى كل منا بابتسامة على محياه و كان يبدو فى غاية الامتنان .... و بعد ذلك أوصل الوزير الأول محمد الدغيس برفقة أحد الحراس الضباط و الأطباء إلى المنزل الذي كان يقطنه القنصل الامريكى ، و الذي يرجح أنه كان فى زنقة الحمام الصغير قرب زنقة مدرسة الكاتب . و قد زارهم كل من القنصل الدانماركى و الانجليزي فيما بعد عارضين لهم أية مساعدة ممكنة . يوم 20 نوفمبر كتب كودرى عن اعتناق أحد البحارة الإسلام وهو المدعو توماس برينسى ، و سيسجل التاريخ فيما بعد اعتناق أربعة بحارة آخرين للإسلام ، و بالتالي بقاءهم فى طرابلس بعد إطلاق سراح طاقم السفينة .كلف كودرى فيما بعد بزيارة مرضى القلعة و عالج الوزير الأول من عمى العين اليسرى كما زار سفير القسطنطينية الذي كان يشكو من حمى متقطعة . و كتب عن بداية شهر رمضان : " عند الغروب أطلقت المدافع إيذانا بابتداء شهر الصوم . و خلال تجوالي فى المدينة لعيادة مرضاي و جدت المسجد و كذلك المنازل الكبيرة مضاءة ، و كان الناس مبتهجين فرحين ." و يحكى عن لقاءه مع أميرال البحرية للطرابلسية ، الذي كان اسكتلنديا يدعى بيتر ليزلى قبل اعتناقه الإسلام ، و شربه القهوة معه و كونه كان لطيفا معه . و بعد علاجه لابن الباشا يتحصل على بعض المزايا و منها استطاعته الخروج من سور المدينة إلى المزارع المحيطة ، حيث حكي عن رؤيته لرؤية رأس إنسان معلق على أحد الأعمدة ببوابة المدينة ، و بعد السؤال عنه عرف بأنه لأحد المتمردين على دفع الضرائب من مناطق الدواخل . و خلال أيام العيد كتب عن اشتراك مدافع المدينة فى إحياء مظاهر الفرحة ، و عن ارتداء كل شخص لحلة جديدة جميلة و عن مظاهر الفرحة بادية على الجميع ، كما أنه شارك مع القبطان بينبريدج و الملازم بورتر فى المعايدة على الباشا مع كل القناصل ، و بعد العيد أصبح كودرى طبيبا لأسرة الباشا .

كتب كودرى عن هدية أرسلها وكيل الباشا إلى الأسرى الضباط تتكون من بعض الشاي و القهوة و السكر مع مصباح ، كما كتب عن أن إفطارهم الاعتيادي كان يتكون من بيضتين و قطعة من الخبز و كأس من ماء المطر ، و أن غذاءهم كان قطعة من لحم البقر أو الجمل و قطعة خبز و أحيانا يقدم الملفوف المغلي و ماء المطر للشرب .
فى شهر مايو 1804 كتب كودرى عن السماح له و لبعض من زملاءه بالخروج من المدينة و زيارة المناطق المحيطة ، و عن إكرام أصحاب المزارع لهم بتقديم عصير اللاقبى و كثير من البرتقال و الليمون و المشمش ، و قد عاملهم المزارعون باحترام كما ينتظر .
فى أغسطس 1804 وصل أسطول القبطان بريبل و بدأ هجومه على مدينة طرابلس ، و شهد يوم 9 أغسطس انفجار إحدى السفن الحربية الأمريكية – انتربيد – و تطاير أجساد طاقمها أشلاء متناثرة فى الهواء .
و من ملاحظات كودرى قوله بأن الطرابلسية فى صلاتهم مصطفون بانتظام كأنهم فى تدريبات عسكرية فى غاية النظام بينما هم فى مناورتهم الحربية كانوا فى غاية الفوضى . كما سجل كودرى اعتقاد الحراس ، و الباشا نفسه ، فى أحجبة و أدعية من يدعون بالمرابطين أو الأولياء ، لحمايتهم من ألأخطار و بحمل الأحجبة و التمائم و اشتراك المرابطين فى المعارك بصب اللعنات و الأدعية على بوارج العدو حتى تصدم بالشاطئ و تنفجر .
فى شهر أغسطس 1804 كتب كودرى عن عريضة استرحام كتبها البحارة مشتكين فيها من المعاملة السيئة التي لقوها من الحراس و استعمال العنف و أهانتهم أثناء تأدية أعمالهم بالقلعة ، و تكفل البحار هيكس هايمز – احد البحارة الذين اعتنقوا الإسلام – بشرح هذه العريضة الى الباشا ، الذي أمر من جهته جميع الحراس بعدم ضرب الأسرى أو جلدهم .
كما كتب كودرى عن حضور عدد من قبائل الدواخل لنجدة الباشا ضد الأمريكيين و لو أنه يقول بأن تسليحهم كان بدائيا و بأنهم كانوا يبدون و كأنهم عراة نصف جوعي و غير منظمين ، و عندما يستعرضون قواتهم أمام الباشا كانوا يصيحون بصوت واحد قائلين "ها أولاد بوى".
فى شهر سبتمبر 1804 بدأت البوارج الأمريكية تركيز هجومها على مدينة طرابلس مما نتج عنه خروج السكان و هم فى غاية الرعب و الفزع ، بينما تعاقب الباشا و ابنه البك على التناوب بالبقاء ما بين القلعة و مزرعة الباشا بالمنشية بحيث لايبقى الاثنان فى نفس المكان و فى نفس الوقت . و فى شهر نوفمبر كتب كودرى عن إصابة الباشا بنوبة صرع و كان اعتقاد الناس – حسب قوله – بأن الباشا قد استولى عليه أحد الجان و لذا استدعى بعض المرابطين لإخراجه . و يرسل طبيبنا رسالى الى رفيق له يدعى الدكتور ميتشل يخبره فيها عن أحواله بالأسر و بأن خمسة من رفاقه البحارة قد تحولوا الى مسلمين ، و خمسة آخرين انتقلوا الى رحمة الله . كما يشتكى من انتشار أمراض الإسهال و الدوزنتاريا بين البحارة .
كما حكي الطبيب كودرى عن الطريقة التي يتبعها الطرابلسية فى علاج حروق البارود ، فيقول بأنها تدهن بالعسل جيدا مع المحافظة على الجلد بكل دقة و عناية و تترك معرضة للهواء ، ثم ترش الجهات المتقرحة إذا وجدت بمسحوق ناعم من الرصاص الأبيض و يكرر هذا عدة مرات الى أن تتكون قشرة يحافظ عليها بدقة الى أن يتم الشفاء ، و لاحظ بأن هذا علاج سريع سرعة ملحوظة .
فى شهر مارس من سنة 1805 كتب كودرى عن شنق اثنان من الزنوج على بوابة المدينة لارتكابهم السرقة ، كما لاحظ عزوف الاهالى عن الوقوف فى صف الباشا فى الحرب لأنه لجأ الى طرق غير عادية للحصول على المال بالإضافة الى أنه جرد نساءهم من حليهم . و سجل وصول ثلاثمائة من الفرسان و سبعمائة من المشاة من قبائل الدواخل فقط .
و أخيرا فى 29 من مايو 1805 بدأت مفاوضات السلام ما بين الباشا و قائد الأسطول الامريكى، و تولى أمر الترتيبات الأولية كل من القنصل الاسباني و المواطن اليهودي الطرابلسى ليون فرفارة ، و تم توقيع اتفاقية السلام و تبادل الأسرى فى 3 يونيه 1805 ، و كتب الطبيب كودرى فى أخر سطر فى يومياته ..... ذهبت لتوديع الباشا الوداع الأخير و قد كان فى غاية التأثر
فى شهر مايو 1804 كتب كودرى عن السماح له و لبعض من زملاءه بالخروج من المدينة و زيارة المناطق المحيطة ، و عن إكرام أصحاب المزارع لهم بتقديم عصير اللاقبى و كثير من البرتقال و الليمون و المشمش ، و قد عاملهم المزارعون باحترام كما ينتظر .
فى أغسطس 1804 وصل أسطول القبطان بريبل و بدأ هجومه على مدينة طرابلس ، و شهد يوم 9 أغسطس انفجار إحدى السفن الحربية الأمريكية – انتربيد – و تطاير أجساد طاقمها أشلاء متناثرة فى الهواء .
و من ملاحظات كودرى قوله بأن الطرابلسية فى صلاتهم مصطفون بانتظام كأنهم فى تدريبات عسكرية فى غاية النظام بينما هم فى مناورتهم الحربية كانوا فى غاية الفوضى . كما سجل كودرى اعتقاد الحراس ، و الباشا نفسه ، فى أحجبة و أدعية من يدعون بالمرابطين أو الأولياء ، لحمايتهم من ألأخطار و بحمل الأحجبة و التمائم و اشتراك المرابطين فى المعارك بصب اللعنات و الأدعية على بوارج العدو حتى تصدم بالشاطئ و تنفجر .
فى شهر أغسطس 1804 كتب كودرى عن عريضة استرحام كتبها البحارة مشتكين فيها من المعاملة السيئة التي لقوها من الحراس و استعمال العنف و أهانتهم أثناء تأدية أعمالهم بالقلعة ، و تكفل البحار هيكس هايمز – احد البحارة الذين اعتنقوا الإسلام – بشرح هذه العريضة الى الباشا ، الذي أمر من جهته جميع الحراس بعدم ضرب الأسرى أو جلدهم .
كما كتب كودرى عن حضور عدد من قبائل الدواخل لنجدة الباشا ضد الأمريكيين و لو أنه يقول بأن تسليحهم كان بدائيا و بأنهم كانوا يبدون و كأنهم عراة نصف جوعي و غير منظمين ، و عندما يستعرضون قواتهم أمام الباشا كانوا يصيحون بصوت واحد قائلين "ها أولاد بوى".
فى شهر سبتمبر 1804 بدأت البوارج الأمريكية تركيز هجومها على مدينة طرابلس مما نتج عنه خروج السكان و هم فى غاية الرعب و الفزع ، بينما تعاقب الباشا و ابنه البك على التناوب بالبقاء ما بين القلعة و مزرعة الباشا بالمنشية بحيث لايبقى الاثنان فى نفس المكان و فى نفس الوقت . و فى شهر نوفمبر كتب كودرى عن إصابة الباشا بنوبة صرع و كان اعتقاد الناس – حسب قوله – بأن الباشا قد استولى عليه أحد الجان و لذا استدعى بعض المرابطين لإخراجه . و يرسل طبيبنا رسالى الى رفيق له يدعى الدكتور ميتشل يخبره فيها عن أحواله بالأسر و بأن خمسة من رفاقه البحارة قد تحولوا الى مسلمين ، و خمسة آخرين انتقلوا الى رحمة الله . كما يشتكى من انتشار أمراض الإسهال و الدوزنتاريا بين البحارة .
كما حكي الطبيب كودرى عن الطريقة التي يتبعها الطرابلسية فى علاج حروق البارود ، فيقول بأنها تدهن بالعسل جيدا مع المحافظة على الجلد بكل دقة و عناية و تترك معرضة للهواء ، ثم ترش الجهات المتقرحة إذا وجدت بمسحوق ناعم من الرصاص الأبيض و يكرر هذا عدة مرات الى أن تتكون قشرة يحافظ عليها بدقة الى أن يتم الشفاء ، و لاحظ بأن هذا علاج سريع سرعة ملحوظة .
فى شهر مارس من سنة 1805 كتب كودرى عن شنق اثنان من الزنوج على بوابة المدينة لارتكابهم السرقة ، كما لاحظ عزوف الاهالى عن الوقوف فى صف الباشا فى الحرب لأنه لجأ الى طرق غير عادية للحصول على المال بالإضافة الى أنه جرد نساءهم من حليهم . و سجل وصول ثلاثمائة من الفرسان و سبعمائة من المشاة من قبائل الدواخل فقط .
و أخيرا فى 29 من مايو 1805 بدأت مفاوضات السلام ما بين الباشا و قائد الأسطول الامريكى، و تولى أمر الترتيبات الأولية كل من القنصل الاسباني و المواطن اليهودي الطرابلسى ليون فرفارة ، و تم توقيع اتفاقية السلام و تبادل الأسرى فى 3 يونيه 1805 ، و كتب الطبيب كودرى فى أخر سطر فى يومياته ..... ذهبت لتوديع الباشا الوداع الأخير و قد كان فى غاية التأثر

كانت عملية البحرية الأمريكية لاحتلال درنة هي شهادة ميلادها فى هذا العالم ، و يحمل نشيد رجال المار ينز إلى اليوم هذه الجملة:
“From the Halls of Montezuma to the Shores of Tripoli”
No comments:
Post a Comment