Sunday, April 22, 2007

كيف أصبح عمر المختار قائدا للجهاد في برقة؟

في مثل هذا اليوم منذ أربع و ثمانون سنة كانت هناك مجموعة من الفرسان تقترب من منطقة صحراوية قرب الحدود المصرية تسمى بئر الغبي جنوب طبرق و شمال الجغبوب. كان يبدو أن هذه المجموعة من الفرسان الأشداء و كان قائدهم شيخا جليلا متوسط الطول في الستين من العمر ذو لحية بيضاء و يلبس جردا أبيض، و رغم غبار السفر و مشاقه كان يبدو محاطا بمهابة أسطورية. ذهب هذا الرجل إلى مصر للاجتماع بمحمد إدريس السنوسي المقيم هناك و طلب منه تدبير أمر المساعدة المالية و العسكرية بصفته رأس الحركة السنوسية العتيدة. و لكن إدريس الذي يبدو بأنه قد رضخ لضغط الحكومتين المصرية و الايطالية بعدم مزاولة أي نشاط سياسي جعل هذا الرجل ييأس منه و قرر مع رفاقه العودة إلى ميدان الجهاد بليبيا بعد أن كتبوا مذكرة مطولة إلى السيد أحمد الشريف المقيم في تركيا موضحين فيها الموقف السياسي في ليبيا و ما دار بينهم و بين إدريس بمصر. كان هذا الرجل أحد ثلاثة وقعوا على هذه الرسالة أما الاثنان الآخران فهما: يوسف بو رحيل المسماري و على حامد العبيدى ، و ملخص هذه الرسالة هو أن العدو قد استولى على جميع الوطن، و بسبب هروب محمد إدريس فقد وجد مجاهدي برقة أنفسهم مشتتين كأنهم سفينة في البحر بلا قائد، و أنهم لاقوا إدريس الذي أكد تنصله من مسؤولياته، و لكنهم: " و لكن نخبركم بأننا لما يئسنا من مساعدة الأمير إدريس لنا توكلنا على الله و رجعنا إلى الوطن و قطعنا على أنفسنا بأننا لا نسلم للعدو و ندافع عن أنفسنا و ديننا و وطننا إلى أخر قطرة من دمائنا" و ختموا رسالتهم بطلبهم ... فالله الله ... الغوث ... الغوث ... العجل ...العجل

كان قائد هذه المجموعة هو عمر المختار
الذى قدر له من هذا التاريخ أن يقود أخر معقل للجهاد الليبي ضد أشرس استعمار عرفه العالم و لكن الايطاليون كانوا له بالمرصاد و لعلهم عرفوا من عيونهم بمصر بموعد عودته و طريقها، فقد نصبوا له كمينا عند بئر الغبي حيث جرت معركة عنيفة في 23 أبريل 1923 انتصر فيها القائد و رفاقه و أبادوا أغلب القوة الايطالية، و كانت هذه أول معركة خاضها عمر المختار بصفته الجديدة كقائد للجهاد ببرقه

و لكن من هو عمر المختار؟ و ما هي قصة حياته ؟

هو عمر بن المختار بن عمر بن فرحات من عائلة غيث، فرحات قبيلة بريدان إحدى بطون قبيلة المنفة، و اسم والدته عائشة بنت محارب. ولد عمر المختار في سنة 1862 بالدفنة غرب السلوم بمنطقة البطنان. و عندما كان عمره ستة عشر سنة سافر والده لأداء فريضة الحج حيث توفى في رحلته، و قبل وفاته أوصى صديقه ورفيقه في رحلته السيد حمد الغريانى بأن يبلغ أخاه السيد حسين الغريانى شيخ زاوية جنزور قرب طبرق بتربية ولديه و رعاية شؤونهما. و قد قبل شيخ زاوية جنزور هذه المهمة و لان أبناءه يدرسون في معهد زاوية الجغبوب حينها فقد أرسل عمر و أخاه إلى هناك

تتلمذ عمر المختار على يد الشيخ الزروالى المغربي الجوانى و الأستاذ فالح بن عبد الله الظاهري، و آخرون غيرهم. درس عمر القران الكريم و علوم الدين و بعض العلوم الأخرى، كما تعلم بعض المهارات و الحرف اليدوية كالنجارة و الحدادة و البناء و الزراعة. كما تلقى أيضا بعض التدريبات العسكرية و فنون القتال و أظهر براعة خاصة في ميدان الفروسية. و قد بدأت عليه منذ سنوات شبابه الأولى علامات مميزة جعلته فريدا بين أقرانه. و كان مميزا بجشاشة صوته البدوي و رصانة منطقه و صراحة و اتزان كلامه، حتى أصبح محل اهتمام السيد المهدي السنوسي الذي قال فيه
لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم.....كان عمر بسيطا في عيشه متواضعا، وكان معاشه يأتيه من ريع بعض الماشية ورثها عن أبيه، و كان قد تركها في رعاية أقاربه في القبيلة. اكتسب عمر من المهمات الكثيرة التي كلف بها و من اتصالاته العريضة مع الناس، اكتسب حبهم و تقديرهم و احترامهم و أن أصبح ينادى بلقب سيدي عمر. كان عمر عميق الإيمان بالله و فاهما فهما عميقا لروح الدين كما تطبع أيضا بأخلاق الكرم و الأمانة و الصدق و اجتناب المحرمات و المحافظة على الشرف والأخلاق، و كان شجاعا محبا ذا أباء و نفور من الضيم. كان جريئا في القول كما كان ثائرا على القيم و الممارسات الخاطئة في المجتمع، كان مسلما ملتزما، قولا و فعلا...انقطع عمر المختار عن الدراسة بمعهد الجغبوب في سنة 1886، و المعلومات المتوفرة لدينا تفيد بأنه بقى بالجغبوب يساعد على أمور الزاوية و يلتقي من يأتي من الأساتذة و العلماء الزوار و يتعرف على أهل العلم و مشائخ و رؤساء القبائل. كما كان يرسل في مهمات إلى السودان و مصر و مع وفود إجراء المصالحات و فض النزاع بين القبائل. أصبح عمر بسفرياته المتعددة داخل الوطن و خارجه مكتسبا خبرة مسالك الصحراء و طرق القوافل من برقة إلى مصر و السودان، و في الداخل إلى الجغبوب و الكفرة و جالو و أوجلة

في سنة 1895 تم تكليفه بالقيام بأعمال شيخ زاوية القصور التابعة لقبيلة العبيد بالجبل الأخضر. و رغم أن هذه القبيلة كانت معروفة بعنادها و قوة شكيمتها فقد استطاع عمر المختار أن يحقق الأمن و الاستقرار في ربوع المنطقة و أن يقضى على أسباب النزاع و الخصومات مما زاد من احترام الناس له. و عندما تحول السيد المهدي السنوسي من الكفرة إلى السودان متخذا من قرو مقرا لإقامته سنة 1899 كان عمر المختار من المرافقين العديدين له. و امتدت حركة الزوايا السنوسية كجماعة دينية قتالية لتشمل تبستى و بركو و اندى و دارفور وواداى و كانم و ازقر و بقرمى، و هي مناطق فيما يعرف الآن بالسودان و تشاد و النيجر. و منذ أن أصبح الفرنسيون يسرعون الخطى للسيطرة على هذه المناطق اصطدموا بالوجود السنوسي هناك. و بالإضافة إلى تكليف عمر المختار كشيخ لزاوية كلك هناك، فقد قام بالإشراف على عمليات المقاومة المسلحة للتغلغل الفرنسي في تشاد. استدعى السيد أحمد الشريف الذي خلف السيد المهدي في إدارة الزوايا السنوسية عام 1902 عمر المختار إلى الجبل الأخضر لتولى زاوية القصور مرة ثانية في سنة 1906.
و ما أن بدأ الغزو الايطالي و نادي السيد أحمد الشريف للجهاد حتى كان عمر المختار من أوائل المجاهدين مع من استطاع تجنيده من قبيلة العبيد حيث وصل إلى معسكر بنينا مع ما يقارب الألف مقاتل و حدث هذا قبل وصول أنور باشا و تسلمه قيادة القوات التركية الليبية في معسكر عين أبى منصور في درنة. و أثناء قيادة السيد أحمد الشريف للجهاد في برقة كان عمر المختار لاشك أحد رجاله المبرزين. و في سنة 1916 تورط السيد أحمد الشريف بتأثير ضباط تشكيلاتي مخصوصة الأتراك في الهجوم على القوات الانجليزية بمصر ووصل بقواته إلى السلوم حيث تكبد بعدها هزيمة نكراء على يد القوات الانجليزية مما انحرف بخط الجهاد في برقة و نتج عن ذلك اعتزال السيد احمد الشريف القيادة و خروجه من ليبيا لاجئا إلى تركيا في غواصة ألمانية. و بعد خروج ايطاليا منهوكة القوى بسبب الحرب العظمى بدأت فى سياسة التعاون مع الليبيين، و هكذا عند تولى محمد إدريس السنوسي قيادة الحركة السنوسية بدأ سلسلة من المفاوضات و الاتفاقيات منها (اتفاقية عكرمة 1917 و اتفاقية الرجمة 1920) مع الايطاليين حيد بها حركة الجهاد في شرق ليبيا، و نال مقابل ذلك إمارة صحراوية عاصمتها اجدابيا و ظهرها في الصحراء حيث تشمل جالو و اوجلة والكفرة و الجغبوب، و لكن إدريس رغم ذلك لم ينل رضا الايطاليين و لا ثقة الليبيين، فقد كان الايطاليون يطالبونه بمزيد من التنازلات، و كان الليبيون يرفضون طريقه المتخاذل. أثناء هذا لم يكن عمر المختار راضيا عما يجرى، و كان معارضا في كل ما يخص إضعاف قوة المقاومة العسكرية و منها نزع سلاح الأدوار أي معسكرات القبائل المقاتلة. و لما لم يرمن قبيلته المنفة كل الموافقة لعدم قبوله الرضوخ للايطاليين، رجع إلى زاوية القصور حيث كان رجالها من المؤمنين به و بعقيدته. بقى عمر المختار يدرس القران و يرصد الإحداث و ينتظر وقته،و هو يعرف انه آت و لو بعد حين. في سنة 1922 و حتى قبل وصول الفاشيست إلى الحكم في ايطاليا، بدأ الوالي الايطالي فولبى في طرابلس حرب إعادة احتلال القطر الطرابلسى، أو ما دعاها الايطاليون حرب استرداد الشاطئ الرابع لايطاليا. عين الجنرال غراتسيانى قائدا للعمليات الحربية لاستعادة المناطق المحررة في الغرب و الاتجاه بعدها نحو القبلة و الجنوب. كثر الضغط الايطالي على محمد إدريس لنزع سلاح المقاتلين في برقة و تصاعدت المعارضة له في صفوف رجاله فلم ير بدا من الهروب و السفر إلى مصر بعذر العلاج
و هكذا أصبح السيد عمر المختار قائدا للجهاد في برقة، أصبح قائدا للجهاد في برقة في وقت بدأت فيه من جديد الهجمة الشرسة لإعادة احتلال ليبيا خصوصا بعد اعتماد خطة حاكم طرابلس فولبى من قبل الدكتاتور موسولينى بعد وصوله الحكم في ايطاليا في أكتوبر سنة 1922. أصبح السيد عمر المختار قائدا للجهاد في برقة في وقت قاربت المقاومة فيه على الانتهاء في مناطق طرابلس عن طريق الدسائس و الفتن و كتائب غراتسيانى الارترية المتوحشة، و أصبح الطريق مفتوحا لاحتلال القبلة و فزان. أصبح السيد عمر المختار قائدا، و كان يعرف أن الايطاليين بعد انتهائهم من احتلال الغرب و الجنوب سيتفرغون له. كان الجهاد قدره و مصيره و لكن الجهاد يحتاج إلى مدد، إلى سلاح و تموين و دعم. و هكذا ذهب السيد عمر المختار إلى مصر في ربيع سنة 1923 لطلب العون و المساعدة و الدعم من محمد إدريس السنوسي الذي اعتذر عن عدم تمكنه من ذلك

و رجع عمر المختار إلى برقة مؤمنا و مستمرا في طريقه التي اختارها، طريق الجهاد الخالص النقي، و سيشارك في أكثر من ألف معركة، و سيذيق القوات الايطالية في برقة المذلة و الهوان، و سيصمد للقوات الايطالية رغم عدم التناسب الكلى مابين الجانبيين، و سيقوم الفاشيست بإجراءات لم يعرفها التاريخ الانسانى للقضاء علية و على المقاومة، و سيكتب التاريخ ملحمته بحروف من نور ستبقى مضيئة طريق المقاتلين الأحرار عن أوطانهم في كل مكان، وسيصبح رمزا للفداء و التضحية في العالمين العربي و الاسلامى

مراجع: منشورات مركز جهاد الليبيين ضد الغزو الايطالي، مع الشكر بالخصوص للأستاذ حبيب وداعة الحسناوى و الدكتور إدريس صالح الحرير
“In Idris' absence a hardy but aging shaykh, Umar al Mukhtar, had overall command of Sanusi fighting forces in Cyrenaica, never numbering more than a few thousand organized in tribal units. Mukhtar, a veteran of many campaigns, was a master of desert guerrilla tactics. Leading small, mobile bands, he attacked outposts, ambushed troop columns, cut lines of supply and communication, and then faded into the familiar terrain.”
Source: U.S. Library of Congress

4 comments:

Anglo-Libyan said...

Omar Al-Mukhtar will always be one of the main reasons for us to be proud Libyans.

mani said...

that was soo good.. the spirit of 3umar al mukhtar will always motivate Libyans inshallah to have worth for their people and country

Anonymous said...

as usual Abughilan, great post, I was certian that you'll write about our libyan hero, Omar Al-Mukhtar, but it seems that alot of history facts are lost about him,still the main fact remain that he is a great sympole of libyan history,...(stranger).

Gheriani said...

Thanks anglol, mani and stranger. And stranger, yes, I found many missing links about Sidi Omar, actually, this period from the decline of Idris for the armed struggle and him becoming the General Deputy, or Leader, until his capture and execution was probably the most documented period, May Allah Bless his Soul.